فلسطينيو ال48 في مواجهة العنصرية الصهيونية/ امير مخول

فلسطينيو ال48 في مواجهة العنصرية الصهيونية

امير مخول

مقدمة

يعيش فلسطينيو ال48 حالة صدام متواصلة مع اسرائيل. عمليا هي حالة صدام وجودية مفروضة تتغير وتيرتها من مرحلة الى مرحلة واحيانا تدخل حالة الصدام المباشر بين جهاز القمع الاسرائيلي من جهة والارادة الشعبية الفلسطينية من جهة اخرى. النقاش داخل المؤسسة الامنية الاسرائيلية وبالتكامل مع كافة الاذرع المدنية هو حول كيفية ادارة هذا الصدام، مستخدمين ادوات الترهيب والترغيب وسياسات “فرّق تسد” وكمّاً غير محدود من ادوات الرقابة السياسية والامنية والملاحقات والخنق الاقتصادي وفرض التبعية الاقتصادية المطلقة. وفي هذا النقاش كما أكد في كتابه “العرب الصالحون” يشرح هليل كوهين الخبير في شؤون المخابرات الداخلية (الشاباك) كيف ان النهج السائد في هذا الجهاز يقول بأن حالة الصدام المباشر لا بد منها بين الدولة وفلسطينيي ال48 (“عرب اسرائيل” بلغتهم الاستعمارية) وعلى جهاز الامن تحديد التوقيت والظرف. وهناك ايضا وعي فلسطيني يتعزز باستمرار وهو اننا بصدد ادارة صراع لا ايجاد حلول.

لكن هذا المقال سوف يتمحور في الوضع الذي اتضحت معالمه بشكل جلي منذ صيف العام 2006 خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان والاخفاق الكبير الذي لحق به، والتحول الاستراتيجي الذي نشأ اذ أضحت الجبهة الداخلية الاسرائيلية هي ساحة المعركة بخلاف الحروب السابقة حين كان العمق العربي هو ساحتها. وجاء العدوان على غزة ليؤكد ان ما شهدناه من تحول في العام 2006 ليس حدثا عابرا وانما واقعا استراتيجيا جديدا فرضته المقاومة.

ولما اصبحت الجبهة الداخلية الاسرائيلية هي ساحة الحرب، ولما اصبحت الحرب لا تحسم فقط بالعتاد وانما بالصمود والمقاومة والارادة والعامل الشعبي المعنوي والعامل الاعلامي، فان تحديد هوية “اللاعبين” قد تغيرت، وازداد الوزن الشعبي بشكل قوي جدا ونتيجة اليه دور فلسطينيي ال48.

واذ لم تستطع اسرائيل الخروج من ازمتها التي تتخبط بها بعمق منذ ثلاث سنوات، حينما انكسرت الى غير رجعة المعادلة او الوهم بأن اسرائيل تستطيع كل شيء، فان ازمتها تجعلها اكثر شراسة وعنفا استعماريا وعنصريا، ولكن في المحصلة هي التي فقدت من قوتها الاستراتيجية.

وهذا يجعلها تحدد من بين ما تحدده في اعتبارات الامن القومي بأن فلسطينيي الداخل خطرا استراتيجيا. وتسلك مؤسستها الامنية والتشريعية والقضائية والمدنية والسياسية على اساس هذا الاعتبار، مما يحوّل حالة الصدام الدائمة الى اكثر مباشرة واكثر عنفا وخطورة. ويؤدي الى استعانة الدولة بعنصرية الشارع الاسرائيلي وعنف عنصرييه لتتكامل مع عنف الدولة واجهزتها الرسمية.

****

التحولات لدى فلسطينيي ال48

تشهد الساحة الفلسطينية في الداخل في مناطق ال48 كمّا هائلا وبوتيرة عالية وقد تكون غير مسبوقة من التشريع العنصري الإسرائيلي. وظهرت هذه الوتيرة من التشريع في العام الحالي 2009 مع التأكيد ان مجمل هذه التشريعات جرى التحضير لها ما قبل العام 2009 أي ما قبل حكومة نتنياهو الحالية. وبهذا المفهوم لن يكون دقيقا ربطها بحكومة نتنياهو ليبرمان بل بمجمل المركز السياسي الاسرائيلي بيمينه المتطرف او يمينه الأقل تطرفا.

وهذه القوانين التي سن بعضها ولا زال البعض الاخر في طور الاقتراح الحكومي، تتمحور في المواطنة والولاء القسري على الفلسطيني للدولة اليهودية وقانون النكبة أي منع ذكر النكبة وربطه بـ”استقلال اسرائيل” ومنع المس برموز الدولة ويهوديتها. وهي قوانين قسرية صدامية تسعى الى مصادرة حق وذاكرة وأهواء وولاء شعب برمته لصالح من يستعمره ويحتل وطنه. انها قوانين تشكل بنية اضافية للملاحقات السياسية وللترهيب وقد يكون استعمالها مناسبا لحالات استثنائية مثل حالة حرب تستغلها اسرائيل مستقبلا لعملية تطهير عرقي او “تغيير حدود” او الغاء سحب مواطنة جماعية عن فلسطينيي ال48 او جزء منهم، وبالذات الحديث عن منطقة وادي عارة القريبة من الحدود مع الضفة الغربية المحتلة منذ 1967 مقابل ضمان الكتل الاستيطانية فيها تحت السيادة الاسرائيلية بموافقة السلطة الفلسطينية. ويضاف الى هذه التشريعات انظمة واجراءات تنفيذية وزارية مثل قرار وزير البنى التحتية يسرائيل كاتس من حزب الليكود تغيير وعبرنة اسماء المدن والبلدات العربية الفلسطينية. في حين توفر انظمة التخطيط والبناء والقوانين العنصرية المرتبطة البنية لاستهداف 42 الف بيت فلسطيني لاستصدار اوامر بهدمها، ناهيك عن قرى برمتها لا تعترف بها اسرائيل خاصة في النقب والجليل حيث تسعى الدولة وضمن عملية فك الارتباط مع غزة 2005 الى تهويدها ضمن مخطط وقانون والان وزارة النقب والجليل والتطوير بالمفهوم الاسرائيلي يعني استيطانا يهوديا وتطهيرا عرقيا للوجود الفلسطيني.

يضاف الى هذه القوانين ادوات قضائية من قوانين وانظمة واجراءات تتيح للدولة وبالذات الجهاز الامني دورا مطلقا. وأشير في هذا الصدد الى قانون سرية المعلومات وسريّة الادلّة، والذي يتيح لجهاز الشاباك او الجهاز الامني عامة ان يقدم أدلته في اية قضية قضائية وذلك امام القاضي/القضاة دونما أي حق للمدعى ضده او لمحامي الدفاع معرفة مضمون هذه الادلّة ويكفي ان يقبل بها القاضي لتصبح أدلّة تعتمدها المحمة في اصدار قرار حكمها المدين للمتهم حتى وان كان بريئا. لكن ايضا تتيح للمحكمة الاسرائيلية تجريم أي سلوك سياسي قانوني واعتباره مخالفة أمنية معادية للدولة واتصبح المحكمة المدنية محكومة بالمؤسسة الامنية مباشرة في كل ما يتعلق بالفلسطيني مواطن اسرائيل، حيث ان المبدأ الذي يسري هو انه على المتهم ان يثبت براءته وليس بريئا الى حين اثبات ادانته.

العنصرية البنيوية وقانون نهب املاك اللاجئين

ما يميز اسرائيل هو العنصرية البنيوية القائمة على اساس العنصرية المتسترة. والتي ليس بالضرورة ان تبدو على الملأ او يجاهر بها. فناهيك عن 23 قانون عنصري وتمييزي هناك بنية من المؤسسات الصهيونية الاسرائيلية والعالمية الشريكة في تقاسم العنصرية وتحويل التمييز من مسؤولية الدولة الرسمية الى مسؤولية هذه المؤسسات التي تبدو ظاهريا طوعية لكنها تتقاسم الحكم والسيطرة مع الدولة وحتى انها تعتبر نفسها فوق الدولة وان الدولة هي ملك يهود العالم. ومن هذه المؤسسات الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي والتي وفق دستورها تخدم فقط اليهود. ولهذه المؤسسات نفوذ واسع وسيطرة على مواقع اتخاذ القرار الاسرائيلي في كل ما يتعلق بالارض والاملاك والهجرة والاستيطان والتخطيط (من جانبي الخط الاخضر طبعا).

 

هناك قانون واحد ضمن القوانين الجديدة المدرجة في طور التشريع خلال صيف 2009 يندرج ضمن تقاسم العنصرية بين اسرائيل والصندوق القومي اليهودي. انه قانون “اصلاحات دائرة اراضي اسرائيل”. وقد تم ادراجه للمراوغة ضمن ما يسمى القوانين الاقتصادية. وهذا القانون الذي بدأ نتنياهو وبتأييد اطراف المؤسسة الصهيونية الحاكمة العمل على تشريعه وتنفيذ جوهره حتى فبل ان يسنّ رسميا في النصف الثاني من التسعينات خلال حكومة نتنياهو الاولي وايضا خلال حكومة ايهود براك عندما كان اطار اتفاقيات اوسلو لا زال على جدول الاعمال بما فيه الجديث عن قضايا الحل الدائم. ويعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي هذا القانون المشروع الأهم في رئاسته للحكومة.

ويهدف القانون الى خصخصة املاك اللاجئين الفلسطينيين بمن فيهم المهجرين في وطنهم (حوالي ثلاثمائة ألف من فلسطينيي ال48)، وتهويدها من خلال صفقات تبادل وتحويل ملكية تعقدها الدولة مع الصندوق القومي اليهودي والذي يقوم على خدمة اليهود وحدهم والذي يستحوذ على موقع اتخاذ القرار في “دائرة اراضي اسرائيل” والتي هي جسم حكومي مركزي. وهذا القانون عمليا يتجاوب مع مركبين جوهريين في سياسة اسرائيل وهما المركب اللبرالي الجديد (النيوليبرالي) السائد اقتصاديا كونه يدر للدولة حوالي 60 مليارد دولار، وكونه عمليا يلغي البنية المادية لعودة اللاجئين الفلسطينيين حتى انه قانون التفافي على القانون الدولي اذ تصبح اسرائيل في موضوعة املاك اللاجئين طرفا ثالثا دوره هو حماية الملكية الخاصة لمواطنيه اليهود الذين استولوا على املاك اللاجيء الفلسطيني او استوطنوا في ارضه وبيته.

هل فقط نظام عنصري؟ في تعريف النظام

ان التمعن في هذا القانون ومجمل القوانين الجديدة فهي قوانين استعمارية ونخطيء اذا تعاملنا معها من باب العنصرية فحسب. فالعنصرية في اساسها تمييز في حين الحديث هنا عن جريمة اكبر بكثير تتمثل باحتلال وطن واقتلاع شعب من بلده وتطهير عرقي ونهب خيرات الوطن واستيطانه. وكل القوانين الاستراتيجية ذات الصلة بالهجرة والمواطنة والارض والتخطيط هي ادوات استعمارية تشكل العنصرية مركّبا واحدا منها. وهي قوانين تبدو ضد “مواطنين” لكنها تستهدف شعبا، ولا تقتصر على مواطنين فرضت عليهم مواطنتهم قسرا. ولا تشكل هذه المواطنة بالنسبة لهم سوى ولاء للوطن وتذكرة البقاء في الوطن والدفاع عنه وعن مجمل حقوق الشعب الفلسطيني. انها ليست ولاء لنظام كولونيالي عنصري بل مواجهة له ويجري استخدامها كاداة لادارة الصراع معه.

مواقع قوة يستهدفها القمع

في المقابل فان دور فلسطينيي ال48 على ساحة الصراع ليس محصورا بحدود مواطنتهم. بل هو دور يتقاسم مجمل الهمّ الفلسطيني والحق الفلسطيني. وهذا ما ظهر جليا في اوسع تحرك فلسطيني لمناهضة العدوان الاسرائيلي على غزة (نهاية 2008 وبداية 2009) لوقف المجزرة وكسر الحصار وهو ما ظهر في مناهضة العدوان على لبنان 2006، ويظهر جليا في المعركة عل القدس والمقدسات والاقصى، والمعركة على الاسرى الفلسطينيين والعرب في سجون اسرائيل وفي المعركة من اجل العودة وفي التصدي لمشروع الدولة اليهودية ولمخططات تهويد النقب والجليل وللسياسات لتهويد المدن الساحلية والكبرى ولسياسة هدم البيوت والمصادرة التي تستهدف كما هو مخطط اكثر من 42,000 بيت فلسطيني في مناطق ال48.

واضافة اليه فان فلسطينيي ال48 مشغولين بشكل مكثف في الدفاع عن هويتهم الوطنية التي أصبحت مشروعا وطنيا أوليا برؤية تكاملية لا- تجزيئية للقضية الفلسطينية. وتنشط مؤسساتهم محليا وعلى مستوى مجمل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات وعلى المستوى العربي الاقليمي والعالمي. وهم عامل هام ومبادر في اعادة رسم حدود القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني المتكامل لا المجزّأ، والذي يعود في مرجعيته الى العام 1948 والنكبة واسقاطاتها وكذلك ما سبقها، ولا يقتصر على إسقاطات عدوان 1967. وهذا مركب جوهري للرواية الفلسطينية التي على اساسها تتحدد ملامح النضال من اجل الحق الفلسطيني كاملا وليس مجزّءا.

ان أحد اهم الانجازات التي حققها فلسطينيو ال48 هو تربية اجيال فلسطينية ناشئة وواعدة باستمرار على الثقافة الكفاحية وفي حمل راية النضال من اجل احقاق كامل الحق الفلسطيني. ويظهر ذلك جليا من خلال المؤسسات والاطر الشبابية بمبادرة شبابية والتي تلتقي في هويتها الوطنية والشبابية وكذلك تلتقي حول مفهوم الارادة في تحمل المسؤولية تجاه الحق الفلسطيني. ان هذه القطاعات الجيلية اصبحت تشكل الاكثرية في مسيرات مئات الالاف دفاعا عن غزة، او مسيرات العودة السنوية او حملات مناهضة مشاريع الاسرلة الهادفة الى فك الارتياط بين الشاب الفلسطيني وجماهيره وشعبه ووطنه وأمته العربية ورواية الحق، والاستعاضة عن ذلك بمشاريع الولاء وهذه المرة “بالاغراء” ضمن ما يسمى الانصهار في “الخدمة المدنية” كمسار مواز للخدمة العسكرية الاسرائيلية والتي تمنح الشاب “امتيازات” مادية، وهي عمليا اسلوب عنصري مطوّر يسقط الحق الانساني والوطني بالعيش الكريم ويشترط الامتيازات المادية بالولاء لقواعد الاسرلة.

وفي الواقع الفلسطيني الحالي والمجزّأ فان فلسطينيي ال48 هم – نسبيا – المجموعة الفلسطينية الاكثر تنظيما وحراكا وتوافقا داخليا. اذ توجد حركة سياسية قوية ومنظمة ويوجد مجتمع أهلي مدني قوي ومنظم وهناك علاقة تكاملية واضحة المعالم بين القطاعيين المؤسساتيين وهناك السلطات المحلية البلدية والمؤسسات الشعبية والتي تنضوي جميعا في اطار مرجعياتهم الطوعية والتي تشارك فيها مجتمعة كل التيارات والقوى الوطنية في اطار مشترك يستوعب التعددية القائمة وغير السهلة، لنجد التيار القومي والتيار الاسلامي والتيار اليساري مجتمعين في اطار مشترك طوعا وعلى اساس توافقي، وهذا الاطار “لجنة المتابعة العليا” يقود النضال الجماهيري الشعبي الجماعي. وهذا نموذج هام في المحيط العربي وقابل للتنفيذ او للتطوير فلسطينيا عامة وعلى امتداد الوطن العربي لو كانت ارادة شعبية وسياسية. ان أحد الدروس المستفادة من المأسة الفلسطينية وايضا من النضال الفلسطيني هي ضمان التنظيم والعمل الجماعي المنظم وهو شرط لاي انجاز جماعي، واداة لا يمكن التهاون بها في ظل حرب استنزاف يومية مفروضة عليهم طوال ستة عقود.

موقع القوة الاخر الذي يميز مؤسسات ال48 هو نجاحها والى حد ملموس في لفت انظار العالم الى ان حدود القضية الفلسطينية أوسع من حدود “الخط الاخضر”. أي تنبيه حركات التضامن العالمية بأن الحق الفلسطيني هو ايضا في حيفا وصفد ويافا، وان ممارسات اسرائيل في الضفة والقطاع والقدس والجولان والتي احتلتها جميعا عام 1967 ليست اكثر كولونيالية استيطانية منها في مناطق ال48. فالتطهير العرقي في القدس والخليل لا يختلف عنه في يافا وعكا والبقيعة والنقب. والكتل الاستيطانية في الضفة الغربية لا تختلف جوهريا عنها في نتسيرت عيليت وكرمئيل في الجليل، وعن نهب الوطن فحدّث ولا حرج, فتكفي جولة ميدانية لهؤلاء المناصرين في حي وادي الصليب في حيفا او مدينة صفد كلها او يافا وعكا واللد والرملة او جامع طبريا الذي تم تحويله الى بيت دعارة ومخدرات وجامع عين حوض الى مطعم وكنيسة البصة الى اسطبل لمواشي مستوطنة شلومي. ولم يردعهم عن ذلك سوى النضال الشعبي. ان فلسطينيي ال48 اصبحوا منبها للعالم بأن اسرائيل هي نظام عنصري وكولونيالي في جوهره ولا يستطيع ان يكون غير ذلك. وعمليا أشاروا الى ان الحق الفلسطيني لا يكتمل بالتخلص جزئيا حتى ولا كاملا من اسقاطات احتلال العام 1967. أي اصبحت قواهم وأطرهم الطليعية قوة شد باتجاه مناهضة التطبيع والمقاطعة على اسرائيل كنظام وليس على ممارسات لهذا النظام وحصر ذلك في تفاصيل مثل “منوجات المستوطنات”.

هناك نقطة تحوّل هامة اصبحت ضمن الوعي الممارس لفلسطينيي ال48 وهي العلاقة مع البعد العربي الاقليمي، والتي يطلق عليها باللغة المحلية “التواصل” مع العالم العربي. وهي تزداد اهمية على ضوء الاخراج الرسمي للقضية الفلسطينية من بعدها العربي. وعمليا اصبح البعد العربي الرسمي يتجلى في كيفية التخلص من هذه القضية بصفتها مسألة فلسطينية صرف تعيق علاقة النظام العربي مع اسرائيل سعيا للعلاقة مع الولايات المتحدة وضمن المراهنة المطلقة على الولايات المتحدة. وهذا نهج السلطة الفلسطينية ورئاستها التي تخلت عن المقاومة ومشروع التحرر الوطني وناصبتهما العداء، وهو ذاته دور النظام العربي الرسمي. فبعكس ما تدفع باتجاهه اوساط قوية وبلورة ضمن فلسطينيي ال48 من التمحور في جوهر الصراع فان الشد الفلسطيني الرسمي والعربي الرسمي هو للتخلي عن جوهر الصراع واستبداله بصراع وهمي مذهبي فرضه العدوان الامريكي على المنطقة منذ احتلال العراق ضمن معادلة “التطرف والاعتدال” التي تمهد للتطبيع مع اسرائيل بوصفها “حليفا” ضمن معسكر الاعتدال والاصطفاف الناتج عنه في مواجهة حركات وقوى المقاومة والممانعة. وعندما نطرح في المؤسسات القيادية لفلسطينيي الداخل مطلب الحماية الدولية وتدويل قضايانا كما مجمل القضية الفلسطينية فاننا عمليا نطرح تحدي الشرعية ونفتح سؤال الشرعية وشرعية النظام العنصري الكولونيالي. وفي هذا الصدد فان سياسة العصا والجزرة تمارس على أشدها، فمن ناحية هناك الترهيب المباشر والتهديد والملاحقات السياسية وفي ذات الوقت هناك مساعي الاحتواء والاغراء المالي التي تتقاسم فيها الادوار اسرائيل والمنظمات الصهيونية العالمية وبالاخص التمويلية الامريكية منها. والتي تعتبر ان اسرائيل تابعة لها لكونها دولة اليهود وليس العكس.

لماذا التركيز على نقاط القوة

عندما تخطط المؤسسة الامنية الاسرائيلية مدعومة بالاكاديمية الاسرائيلية ومراكز ابحاثها الاستراتيجية، فانها تبني الاحتمالات على اساس الوضع الاسوأ لها وهو عمليا الوضع الاحسن للفلسطينيين. وعليه فانني أسوق نقاط القوة داخل فلسطينيي ال48 ليس من باب الاعتداد بالنفس الجماعية او المفاضلة مع مجموعات فلسطينية اخرى او للتستير على نقاط الضعف، بل لكشف الحقيقة بشأن المحصلة الآنية لمعادلة الصراع من ناحية ولكشف ما تحيكه اسرائيل. فاسرائيل تخطط بناء على القوة المقتدرة والاحتمالات القصوى لدى فلسطينيي ال48.

وعلى عكس التعامل الفلسطيني والعربي التجزيئي، فان اسرائيل تتعامل مع مركبات القضية الفلسطينية ومع مجموعات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات على انها متكاملة. واي اضعاف لجزء منها هو اضعاف لكل الشعب الفلسطيني وللنضال التحرري واي تعزيز لقوة أي جزء من الشعب الفلسطيني هو تعزيز لقوة الشعب ولمشروعه التنحرري ولحقه.

في حين اسرائيل تسير وفق هذه المعادلة لكن وضمنها ايضا تسعى الى منع الطرف الفلسطيني من التعامل بشكل تكاملي كقضية واحدة ومصدرها واحد ومصيرها جماعي. ان أحد مركبات القوة الاسرائيلية ومساعي التفوق الاسرائيلي الاستراتيجي تعتمد على قوة اسرائيل الفعلية والدعم الامريكي من ناحية لكن ذات الوقت تعزيزها نوعيا بالضعف العربي والضعف الفلسطيني والابقاء عليه ضعيفا.

 

هل يحتاج النظام العنصري الى قوانين جديدة؟

 

لماذا هذا الكم الهائل من قوانين عنصرية صدامية يجري تشريعها في صيف 2009، هو لماذا وما هو الهدف منها؟ ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحية على ضوء الحقيقة الساطعة إن عنصرية إسرائيل تملك كل الأدوات لممارستها ولا تنقصها أدوات. وللايضاح فان القوانين المقترحة والتي تتعلق بالمواطنة والولاء والنكبة والاراضي واملاك اللاجئين والمهجرين هي قوانين تجري محاولات سنّها منذ سنوات وليست وليدة حكومة نتنياهو.


إسرائيل بصفتها نظاما استعماريا عنصريا بجوهره، قامت على ذات المبادئ والقيم التي تتضمنها القوانين الجدية المقترحة، ووضعتها دائما في صيغة الديمقراطية ودولة القانون. واستعان علم الاجتماع الإسرائيلي وعلم السياسة بغطاء ما يطلق عليه نموذج “الديمقراطية المحتمية” أي حق وواجب النظام الديمقراطي في الدفاع عن ذاته وعن ديمقراطيته. أي في الحالة الإسرائيلية تضييق هامش الديمقراطية وزيادة القمع القومي العنصري. ومفهوم الديمقراطية المحتمية الذي تروج له الأكاديمية الإسرائيلية من باب التحايل على الحق وتبرير القمع وحتى يجري ترديده من قبل قلة من الأكاديميين العرب، هو صيغة تبريرية دقيقة للمفهوم الصهيوني للدولة اليهودية الديمقراطية.

عنصرية محتمة وليس “دمقراطية محتمية”


ما نشهده مؤخرا هو عنصرية محتمية وليس “ديمقراطية محتمية”. وهذا أمر هام أصبحت فيه الدولة والنظام العنصري في موقع رد الفعل بالمعني العام على التطور الجاري بين فلسطينيي الداخل في تبلور الهوية الوطنية والقومية والوعي المنبثق عنها في تحديد طبيعة الصراع مع الدولة والنضال من اجل الحق الفلسطيني. أي انه وبالصورة العامة فإن الدولة في تراجع، ووصول حكومة نتنياهو الى الحكم هو مؤشر للضعف لا للقوة. وهذا لا يقلل من المخاطر والتحديات لكنه يساعد في فهم المعادلة العامة للصراع.

وفي اطار العنصرية المحتمية تدخل سياسة الملاحقات السياسية واستهداف القيادات السياسية وقوانين سحب المواطنة التي تسعى جميعها الى فك الارتباط بين فلسطينيي ال48 والبعد الفلسطيني الواسع والعربي الاقليمي وحتى الاسلامي والعالمي. ومثال صارخ هو قانون سحب المواطنة الذي تم سنّه في اعقاب المنفى القسري لمؤسس ورئيس حزب التجمع الوطني الدمقراطي د. عزمي بشارة، والسجن لسنوات بحق قيادات الحركة الاسلامية وفي مقدمتهم رئيسها الشيخ رائد صلاح ناهيك عن لوائح اتهام عديدة ضده بتهمة التحريض ذات صلة بوقفته في مواجهة سياسة الاحتلال والدفاع عن المسجد الاقصى والمقدسات، والسجن لسنوات بحق الامين العام لحركة ابناء البلد محمد كناعنة، اضافة الى لوائح اتهام بحق عدد كبير من القيادات السياسية تتعلق بالقيام بدورهم السياسي وآخرها كان ضد رئيس الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة عضو الكنيست محمد بركة. لكن نهج نزع الشرعية لا يتوقف على هذه الامثلة بل يطال مؤسسات المجتمع الاهلي والمدني التي جرى ويجري اغلاق عدد منه بأوامر ادارية من وزير الأمن الاسرائيلي وتصادر مقارّها واملاكها وأموالها، وآخرها كان في صيف 2008 ضد مؤسسة الاقصى لحماية الاوقاف والمقدسات.

خلال العدوان على غزة وبناء على معطيات اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات تم اعتقال 243 ناشطا فلسطينيا غالبيتهم الساحقة من الشباب وعدد كبير ممن لا زالوا دون الثامنة عشرة. كما تم استدعاء المئات للتحقيق لدى جهاز الامن العام – الشاباك. وتمحورت التحقيقات والتي شملت قيادات بمن فيهم كاتب هذه السطور اضافة الى استهداف الشباب والاجيال الصاعدة ملوحين بالترهيب والترغيب، ضمن مسعى واضح المعالم هدف الى اختراق فلسطينيي ال48 والنيل من معنوياتهم وإضعاف تنظيمهم وجاهزيتهم الكفاحية.

وعودة إلى ما يجري اليوم فان التغير الهام الأخطر الذي قد يحصل هو في تأكيد الدولة لكل عنصري بأن دولة القانون لن تقف بوجه العنصرية. وإذ تتعامل إسرائيل مع ذاتها كدولة قانون ونظام مركزي قوي، وموقع اتخاذ قرار امني سياسي اقتصادي مركزي جدا، فانها تبدي في التصعيد التشريعي الحالي نقيض ذلك. أي ان كوابح القانون وكوابح الدولة سوف يجري التخفيف منهما بقرار من الدولة وسلطتها المركزية. فالقمع المباشر من الشرطة والشاباك والجهاز القضائي فشل في النيل من إرادة جماهيرنا ووعيها. وبدأنا نشهد حتى نوعا من الخصخصة اذا جاز التعبير خصخصة في مجال القمع والعنصرية. ليتقاسم العنصريون الدور مع الدولة في الاعتداء علي فلسطينيي ال48 واستنزافهم. ولتبدو الدولة كأنها طرف ثالث بين مجموعتين سكانيتين متصادمتين. وقد شكلت اعتداءات عكا الدموية العام الفائت على الوجود العربي الفلسطيني فيها نموذجا وبالتأكيد ليس نهاية المطاف. وفي حالة حرب ستكون الجماهير الفلسطينية مستهدفة مباشرة من الدولة ومباشرة من الجموع العنصرية والتنظيمات الارهابية الاسرائيلية. وحتى من الجيش الاسرائيلي حيث توجد كتيبة عسكرية جاهزة لهذا الشأن أعلن عنها عشية المناورات الاسرائيلية الكبرى ومتعددة الاذرع والتي جرت اوائل حزيران 2009.

 

خلاصة القول

لن تصبح إسرائيل أكثر عنصرية مع القوانين الجديدة بل أنها ستواصل عنصريتها الاستعمارية بشكل منهجي كما كان منذ العام 1948 كدولة. فالقوانين منبثقة من عنصريتها ولا تخرج عن إطار عنصريتها. وللحقيقة هناك حاجة لتطوير الخطاب الفلسطيني والعربي السائد والقراءة الدقيقة للعنصرية الإسرائيلية. فاتهام إسرائيل بالعنصرية هو وصف جزئي فقط لجوهر أخطر بكثير من العنصرية. والسياسة الإسرائيلية كما جوهر المشروع الصهيوني تجاه الفلسطينيين هي استعمارية إقتلاعية في حين أن عنصريتها تنبثق من هذا الجوهر. وهو جوهر في التعامل مع جماهير شعبنا في الداخل ضمن رؤية استعمارية للتعامل مع مجمل الشعب الفلسطيني وحقوقه ومع مجمل المحيط العربي الإقليمي. إن نظاما استعماريا قام على أنقاض شعب بعد ان اقتلعه من وطنه واستوطن عليها لا يستطيع ألا يكون عنصريا. وجوهر إسرائيل وقوانينها وأنظمتها وطبيعة نظامها كلها تعكس ذلك وتؤكده. وأي وهم في غير ذلك هو نتاج الهزيمة العربية لا الحقيقة التاريخية.

 


فلسطينيو الداخل يمرون بحالة هي أشبه بحرب استنزاف معلنة كان أطلق جولتها الحالية رئيس جهاز المخابرات العامة الشاباك يوفال ديسكين أوائل العام 2007 عندما اعتبر فلسطينيي الداخل خطرا استراتيجيا على الدولة اليهودية. وقد توصل إلى هذا التحديد على ضوء إخفاق العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 وما تبعها من تحولات استراتيجيه في مفهوم الأمن القومي والحرب المستقبلية. بما في ذلك دور فلسطينيي الداخل الشعبي والمعنوي في مقاومة العدوان.


وفي عدوان العام 2009 على غزة، كانت الجماهير الفلسطينية في مناطق ال48 هي الحلقة الأكثر تنظما وكفاحية داخل تجمعات الشعب الفلسطيني. وحملة الترهيب ألمخابراتي واستنزاف قوة الناس ومعنوياتها أصبحت نهج دولة تصعيدي متصارع بوتيرة سريعة جدا. إنها محاولة لتشتيت القوة الجماعية ومنع تطوير وتكامل التنظيم الجماعي وإغراق جدول اعمال هذا الجزء من الشعب الفلسطيني بقضايا تفصيلية عادة ما يكون الهدف منها الإبعاد عن الجوهر. والهدف الإسرائيلي الأهم هو إضعاف النضال الفلسطيني عامة كي يتمكنوا من مواصلة الانقضاض على الحق الفلسطيني.


القوانين الإسرائيلية الجديدة ليست حدثا بحد ذاته بل جزءا من نهج متكامل، يستهدف كياننا المنظم ويستهدف استبعاد دور الداخل من معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والإقليمي العربي الإسرائيلي. انها قوانين للملاحقة السياسية وللترهيب الذاتي لجماهير شعب كسرت حاجز الخوف والترهيب منذ عقود ولا تقبل أن ترهن حقوقها ودورها فلسطينيا وعربيا للقانون الإسرائيلي ولن يردعنا ثمن الموقف.

 

معادلة الصراع بين فلسطينيي ال48 واسرائيل هي ليست ثنائية بل متعددة الاطراف. انها جزء ومركّب عضوي من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والعربي الاسرائيلي. الامر الجديد نسبيا هو الاعتراف العربي الشعبي والاعلامي ونوعا ما الرسمي بتزايد محورية دور فلسطينيي ال48 وباعتباره دورا استراتيجيا في مناهضة المشروع الاستعماري العنصري.


لنحدد اين المعركة لا اين تجري المناورة

الانشغال العربي الزائد في يهودية اسرائيل

لو كان الوضع العربي معقولا وأقلّ بؤسا مما هو، لما كلن انشغاله في التطبيع العربي االرسمي مع اسرائيل مقابل “تنازلها” عن “توسيع الاستيطان” لان في ذلك التطبيع تطبيع ايضا مع الاستيطان القائم. بل كان انشغاله في جدول اعمال حقيقي ويطرح مسألة شرعية اسرائيل، بغض النظر كيف تعرّف ذاتها. فقد تعرف ذاتها بأنها “واحة الدمقراطية” او دولة يهودية دمقراطية او دولة يهودية ودولة اليهود، وكل التعريفات لا تغير من جوهرها الاستعماري العنصري. فلولا حالة الهزيمة والعجز لما تعامل العالم العربي بشكل ثابت مع جدول الاعمال الذي تطرحه اسرائيل، بل كانت اسرائيل تعاملت مع جدول اعمال العالم العربي وقد لا تجروء حينها على طرح موضوع تعريفها لذاتها ومطالبة العرب بالاعتراف بهذا التعريف والتطبيع معه.

التطبيع هو تنازل باسم الشعوب العربية والامة العربية للمستعمِر. وفي وضع أقل بؤسا كان من المتوقع ان ينشغل العالم العربي بالسؤال حول شرعية اسرائيل لا حول يهوديتها، أي ان المسألة الاولى اصبحت مفروغ منها. ولكن البؤس وصل وضعا يقبل بالتطبيع مقابل تجميد الاستيطان في الضفة الغربية! وتطبيع اسرائيل يعني تطبيع عنصريتها ايضا وطابعها الاستعماري.

سواء اطلقت اسرائيل على نفسها اسم دولة او دولة دمقراطية او واحة الدمقراطية ام دولة يهودية ودولة اليهود فان طابعها سيبقى ذاته..انها كيان استعماري عنصري قام كذلك وتعزز جوهره العنصري والاستعماري يوميا. ولم تصبح اكثر عنصرية او استعمارية بعد احتلال 1967 منه بعد احتلال 1948.

السؤال المركزي المطلوب من العالم العربي الرسمي والشعبي ان يجيب عليه متعلق بمسألة شرعية اسرائيل ويهوديتها مشتقة من هذا السؤال وليست هي السؤال المركزي. فلو أعلنت ذاتها دولة دمقراطية تصبح أكثر شرعية؟؟

من الاهمية بمكان في ادارة الصراع تحديد موقع المعركة وطبيعتها لا طبيعة وموقع المناورة. والمعركة اليوم هي مسعى صهيوني لتصفية أي موقع قوة داخل الشعب الفلسطيني بهدف الانقضاض على الحق الفلسطيني وعلى امكانيات تحقيقه مستقبلا. انها مسعى لتحصين المشروع الاستعماري العنصري، والتطبيع معه والتراجع عن مواجهته يفتح الطريق امام المزيد من انتهاك الحق الفلسطيني والحق العربي ويعزز تمادي المشروع الصهيوني..

 

 

الكاتب قيادي فلسطيني رئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات والمدير العام لاتحاد الجمعيات العربية (اتجاه) في فلسطين48

 

تم نشر المقال في مجلة العرب والعالم (العدد الثاني) والصادرة عن مركز العرب والعالم للدراسات والإعلام (صيف 2009)

Comments
One Response to “فلسطينيو ال48 في مواجهة العنصرية الصهيونية/ امير مخول”
  1. أهلا وسهلاأدعوكم إلى قراءة ملخص باللغة العربية لمجموعة من الدراسات العلمية عن المواطنة والدين والدولة القومية في عدة بلدان بما فيها إسرائيل.مع أطيب التمنيات

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: