هل يحتاج النظام العنصري قوانين جديدة؟


لسنا بصدد بدعة “الديمقراطية المحتمية” بل “العنصرية المحتمية”

امير مخول

أحد الأسئلة التي يثيرها الكَم الهائل من التشريع العنصري الإسرائيلي الحالي، هو لماذا وما هو الهدف منها؟ ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحية على ضوء الحقيقة الساطعة إن عنصرية إسرائيل تملك كل الأدوات لممارستها ولا تنقصها أدوات.

إسرائيل بصفتها نظاما استعماريا عنصريا بجوهره، قامت على ذات المبادئ والقيم التي تتضمنها القوانين الجدية المقترحة، ووضعتها دائما في صيغة الديمقراطية ودولة القانون. واستعان علم الاجتماع الإسرائيلي وعلم السياسة بغطاء ما يطلق عليه نموذج “الديمقراطية المحتمية” أي حق وواجب النظام الديمقراطي في الدفاع عن ذاته وعن ديمقراطيته. أي في الحالة الإسرائيلية تضييق هامش الديمقراطية وزيادة القمع القومي العنصري. ومفهوم الديمقراطية المحتمية الذي تروج له الأكاديمية الإسرائيلية من باب التحايل على الحق وتبرير القمع وحتى يجري ترديده من قبل قلة من الأكاديميين العرب، هو صيغة تبريرية دقيقة للمفهوم الصهيوني للدولة اليهودية الديمقراطية.
ما نشهده مؤخرا هو عنصرية محتمية وليس “ديمقراطية محتمية”. وهذا أمر هام أصبحت فيه الدولة والنظام العنصري في موقع رد الفعل بالمعني العام على التطور الجاري بين فلسطينيي الداخل في تبلور الهوية الوطنية والقومية والوعي المنبثق عنها في تحديد طبيعة الصراع مع الدولة والنضال من اجل الحق الفلسطيني. أي انه وبالصورة العامة فإن الدولة في تراجع، ووصول حكومة نتنياهو الى الحكم هو مؤشر للضعف لا للقوة. وهذا لا يقلل من المخاطر والتحديات لكنه يساعد في فهم المعادلة العامة للصراع.
لن تصبح إسرائيل أكثر عنصرية مع القوانين الجديدة بل أنها ستواصل عنصريتها الاستعمارية بشكل منهجي كما كان منذ العام 1948 كدولة. فالقوانين منبثقة من عنصريتها ولا تخرج عن إطار عنصريتها. وللحقيقة هناك حاجة لتطوير الخطاب الفلسطيني والعربي السائد والقراءة الدقيقة للعنصرية الإسرائيلية. فاتهام إسرائيل بالعنصرية هو وصف جزئي فقط لجوهر أخطر بكثير من العنصرية. والسياسة الإسرائيلية كما جوهر المشروع الصهيوني تجاه الفلسطينيين هي استعمارية إقتلاعية في حين أن عنصريتها تنبثق من هذا الجوهر. وهو جوهر في التعامل مع جماهير شعبنا في الداخل ضمن رؤية استعمارية للتعامل مع مجمل الشعب الفلسطيني وحقوقه ومع مجمل المحيط العربي الإقليمي. إن نظاما استعماريا قام على أنقاض شعب بعد ان اقتلعه من وطنه واستوطن عليها لا يستطيع ألا يكون عنصريا. وجوهر إسرائيل وقوانينها وأنظمتها وطبيعة نظامها كلها تعكس ذلك وتؤكده. وأي وهم في غير ذلك هو نتاج الهزيمة العربية لا الحقيقة التاريخية.
وعودة إلى ما يجري اليوم فان التغير الهام الأخطر الذي قد يحصل هو في تأكيد الدولة لكل عنصري بأن دولة القانون لن تقف بوجه العنصرية. وإذ تتعامل إسرائيل مع ذاتها كدولة قانون ونظام مركزي قوي، وموقع اتخاذ قرار امني سياسي اقتصادي مركزي جدا، فانها تبدي في التصعيد التشريعي الحالي نقيض ذلك. أي ان كوابح القانون وكوابح الدولة سوف يجري التخفيف منهما بقرار من الدولة وسلطتها المركزية. فالقمع المباشر من الشرطة والشاباك والجهاز القضائي فشل في النيل من إرادة جماهيرنا ووعيها. وبدأنا نشهد حتى نوعا من الخصخصة اذا جاز التعبير خصخصة في مجال القمع. ليتقاسم العنصريون الدور مع الدولة في قمع الجماهير العربية والاعتداء عليها واستنزافها. ولتبدو الدولة كأنها طرف ثالث بين مجموعتين سكانيتين متصادمتين. وقد شكلت اعتداءات عكا الدموية العام الفائت على الوجود العربي فيها نموذجا وبالتأكيد ليس نهاية المطاف.
فلسطينيو الداخل يمرون بحالة هي أشبه بحرب استنزاف معلنة كان أطلق جولتها الحالية رئيس جهاز المخابرات العامة الشاباك يوفال ديسكين أوائل العام 2007 عندما اعتبر فلسطينيي الداخل خطرا استراتيجيا على الدولة اليهودية. وقد توصل إلى هذا التحديد على ضوء إخفاق العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 وما تبعها من تحولات استراتيجيه في مفهوم الأمن القومي والحرب المستقبلية. بما في ذلك دور فلسطينيي الداخل الشعبي والمعنوي في مقاومة العدوان.
وفي عدوان هذا العام على غزة، كانت الجماهير العربية هي الحلقة الأكثر تنظما وكفاحية داخل تجمعات الشعب الفلسطيني. وحملة الترهيب ألمخابراتي واستنزاف قوة الناس ومعنوياتها أصبحت نهج دولة تصعيدي متصارع بوتيرة سريعة جدا. إنها محاولة لتشتيت قوتنا الجماعية ومنع تطوير وتكامل تنظيمنا الجماعي وإغراق جدول اعمالنا بقضايا تفصيلية عادة ما يكون الهدف منها الإبعاد عن الجوهر. والهدف الإسرائيلي الأهم هو إضعاف النضال الفلسطيني عامة كي يتمكنوا من مواصلة الانقضاض على الحق الفلسطيني.
القوانين الإسرائيلية الجديدة ليست حدثا بحد ذاته بل جزءا من نهج متكامل، يستهدف كياننا المنظم ويستهدف استبعاد دور الداخل من معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والإقليمي العربي الإسرائيلي. انها قوانين للملاحقة السياسية وللترهيب الذاتي لجماهير شعب كسرت حاجز الخوف والترهيب منذ عقود ولا تقبل أن ترهن حقوقها ودورها فلسطينيا وعربيا للقانون الإسرائيلي ولن يردعنا ثمن الموقف.
23 تموز 2009

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: