دور اسرائيل في تجزيء هوية فلسطينيي ال48

دور اسرائيل في تجزيء هوية فلسطينيي ال48
امير مخول
احيي جمعية انعاش الاسرة والقيّمين على هذا المؤتمر الهام والذي يجسد الى حد ما – حضورا ومضمونا – لمّ الشمل الفلسطيني الذي ينقصنا بشكل عام عند مناقشة قضية شعبنا بتشعباتها ومركباتها المختلفة والمتكاملة فكم بالحري عندما نتحدث عن الهوية الفلسطينية.
الملاحظة الاخرى تتعلق باعجابي بالصورة الخلفية (شعار المؤتمر) وهي تعبر الى حد كبير عن واقعنا كفلسطيينين بمفهوم ان ثقافة الجدار او استخدام الجدار والسعي الصهيوني الى فك الارتباط بين الفلسطيني الفلسطيني وبين الفلسطيني ووطنه، هو عملية تاريخية تاريخها هو تاريخ المشروع الصهيوني وهي من المركبات الاولى والثابتة لهذا المشروع الاستعماري الصهيوني منذ دخوله الى الوطن العربي بمفهومه الواسع والوطن الفلسطيني حيث احتله وسيطر عليه وقام بجل جرائمه فيه وسعى الى عزله عن بعده العربي الاقليمي بغية تنفيذ المشروع الاستعماري. الجدار العازل كثقافة اسرائيلية هو من جوهر اسرائيل لم يبدأ عام 1967 ولا 1948 بل هو في جوهر المشروع الصهيوني.
ما يجري مع فلسطيني 48 وهذا ما طلب مني ان اتحدث عنه هو ليس خارج تعامل إسرائيل مع الشعب الفلسطيني وانما هو جزء من تعامل إسرائيل مع الشعب الفلسطيني. انه تعبير عن تعامل نظام كولونيالي عنصري مع من هجّرهم ومع من استعمرهم في مسعاه لتبييض الجريمة التاريخية من ناحية من خلال محاولة الغاء الحق الفلسطيني ومن خلال قتل الضحية اوتشتيتها او أنهاء مشروعها. انه يسعى الى طمس الحقيقة التاريخية وتحويل الموضوع كما لو كان من الماضي وهو عادة ما ياتي به المشروع الصهيوني و”يتحاور” معنا او يحاول ان يتحاور معنا واحيانا يحاول اليسار الصهيوني التفكير نيابة عنا او ان يضع لنا قوالب وحدود تفكيرنا على شكل دعوته الثابتة للفلسطينيين: “انظروا الى الامام وانسوا الماضي” انه واحد من شعارات اليسار الصهيوني واليسار الصهيوني وليس اليمين هو الاكثر تخصصا في السيطرة وفي الهمينة على الشعب الفلسطيني ظانا بامكانية استبدال الهوية والذهنية الفلسطينية بهوية وذهنية مريحة له ولمشروعه يكون فيها سلوك الضحية هو “الاشكال” ويظهر فيه الطاغي كما لو كان ضحية ضحاياه. اما جذور الصراع فيعتقد انها تختفي في هذه المتاهة.
السلوك المجزّأ هو فلسطيني وليس اسرائيلي
باعتقادي ان ما يميزجماهير الشعب الفلسطيني في مناطق الـ 48 هو ان إسرائيل تملك كل ادوات السيطرة وتملك ادوات اللعبة في هذا الموقع، ولا يميزها شي اخر بمفهوم جوهر إسرائيل. إسرائيل هي نفسها التي تقوم بنفس اهداف السياسة التكاملية سواء في حيفا او رام الله اوفي غزة او مخيمات اللاجئين. عمليا فانّ تجزيء الهوية هو ظاهرة فلسطينية وليس إسرائيلية في طبيعتها. فاسرائيل عندما تتحدث عن الدمغرافيا تتحدث بذات المعايير سواء عن النقب او الجليل او الضفة الغربية او منع حق العودة، وحين تطلق الحملات من اجل الاعتراف بها كدولة يهودية انما تستهدف من ذلك كل الشعب الفلسطيني.
عمليا طبيعة الصراع تزيد من تعاملنا مع مسألة الهوية وتجعلها اكثر محورية كونها مركب هام فيه. كما ان كون طبيعة الصراع الذي نعيش فيه كما هي وان إسرائيل أيضا مشغولة في هويتها لحد الان في الدولة اليهودية وفي ابتزاز العالم وفي غيره وأيضا كأداة وظيفية لفرض شرعية وجودها والتطبيع مع جوهرها كما هو. الا ان اسرائيل مشغولة ايضا في هويتنا نحن الفلسطينيين. مؤتمرات الامن القومي الاسرائيلي (مؤتمر هرتسليا)، وثائق استراتيجية اسرائيلية (وثيقة هرتسليا، وثيقة كنيرت، وثيقة المجلس الصهيوني وغيرها)، علم الاجتماع الاسرائيلي فيما يتعلق بالجماهير الفلسطينية في الداخل يتعامل اساسا مع الهوية والبحث المقارن في حدود الهوية الفلسطينية وبالذات على محور “الفلسطينة والاسرلة” في الهوية. غالبية المؤتمرات عن الهوية الفلسطينية والتي تنظمها مراكز ابحاث إسرائيلية في ما نسميه “مختبرات” اعادة انتاج الفلسطيني على شاكلة العربي او الإسرائيلي او “العربي الإسرائيلي الفخور” اي الذي يتمتع وفق التوجه العنصري الاستعلائي بما يدرجون على تسميته “الوقاحة الإسرائيلية” اي ملائما “لذوقهم” ويتقبلونه من حيث المسلك والاداء الشبيه لهم ولقواعد لعبتهم لكن من حيث النفسية والجوهر تريدنا خاضغين لها ولمفاهيمها. انها ايضا نوع من الاستعلاء تعكسه في تعاملها مع فلسطينيي 48 وكل الشعب الفلسطيني والعربي.

إسرائيل تسيطر على الحدود الجغرافية الامنية ومنذ قيامها قبل ستة عقود وعلى انقاض شعبنا ووطننا، تسعى الى تحويل حدود الدولة الى حدود وعينا وطموحنا، وان تحاصرنا في مواطنتها ليس كوضعية قانونية بل كتطلّع سقفه اسرائيل وحدوده اسرائيل وحتى منظره العام اسرائيل. تريدنا مفصولين عن امتدادنا العربي والفلسطيني الطبيعي وعن وطننا نحن اهل البلاد واصحاب الوطن. وفق هذه المعادلة الصهيونية القانونية والامنية والمدنية الاسرائيلية تصبح بيروت ودمشق مثلا ابعد من أي مكان في العالم ابعد منالا من طوكيو ومن نيويورك، ويجعلون هذا المدى الطبيعي خارج الوعي وان لم يتسنى ذلك فخارج القانون – قانونهم العنصري الكولونيالي.
الهوية ضمن بناء المشروع الفلسطيني والعربي
علينا ان نعترف ان التسليم بهذه القطيعة القسرية يصبح مع الوقت خطرا على مجمل الهوية الفلسطينية. وفي هذا السياق فان الخطر والتحدي لا ينحصر فقط في عزل فلسطينيي ال48 عن بعدهم الفلسطيني والعربي، بل كل الشعب الفلسطيني يعاني حالة التجزيئية القسرية. وان كان الحديث في الماضي عن ثلاثة اجزاء للشعب الفلسطيني – فلسطين48 والمناطق المحتلة عام 67 واللاجئين، فاننا اليوم امام واقع تجزيئي اخطر. فالضفة الغربية ليست الضفة الغربية كوحدة واحدة لا يوجد امتداد فيها ولا تكامل وغزة مفصولة عن الضفة وعن كل العالم والقدس خارج كل شي واللاجئين أيضا. وهذا واقع يجب ان يشكل تحديا كبيرا لاني انظر الى الهوية من باب بناء المشروع الوطني الفلسطيني وليس خارجه. لو كنا في وضع طبيعي في تطور طبيعي “عادي” قد يكون انه ما كنا مشغولين بالهوية الى هذا الحد. الشعب الفلسطيني منشغل بهويته لان استهدافها هو جزء من الغاء حقوقه وعدالة قضيته. ولو اخذنا الحلقة الاوسع العربية في المنطقة فان الوضع العام فيها والمشروع الامبريالي الامريكي الصهيوني يذكرنا بهوية المنطقة العربية بكاملها وهو اشبه بخطة سايكس -بيكو التي استهدف الاستعمار العالمي فيها كل المنطقة العربية قبل قرن تقريبا وحاول فك ارتباطها ببعضها من خلال اعادة تقسيمها وتجزيئها وبمسعى لالغاء بعدها الواسع العربي وتحويلها الى دول واشباه دول يحكمها تناقضاتها اكثر بما لا يقاس بترابطاتها وبهويتها بمفهوم الأمّة ودور هذه الدول هو ضبط الحدود التجزيئية التي فرضها الاستعمار العالمي.
ولو كان الوضع مخالفا لزاد وزن ابعاد اخرى للهوية لا يجوز تغييبها في اي حال مثل الهوية الفردية وما الى ذلك، ولكن الواقع الفلسطييني وطبيعة الصراع يؤديان ان يكون هذا الدور اساسي واصبحت الهوية محور صراع اساسي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والإسرائيلي العربي وهناك ما يجري عمليا نوع من فك الارتباط الفلسطيني ووطنه في عبرنة وتهويد الوطن وتاريخه ومعالمه كلها من خلال الهيمنة على القانون واستخدامه وتجريم التواصل الفلسطيني ونضال الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية وحركة التحرر الفلسطينية وأيضا يجري ذلك من خلال منهاج التعليم الذي يستخدم للهيمنة التامة وهو منهاج تعليم رسمي إسرائيلي صهيوني حتى لو كان بالعربية اضافة الى كل اجهزة الرقابة وآلة اعادة الانتاج الصهيونية المشوّهة للفلسطيني.

الصراع على الرواية التاريخية

الرواية التاريخية هي هل محور صراع ومركب في الهوية لانها تحوي احد اهم مركبات القضية الفلسطينية واكثرها قوة الا وهو عدالتها وكونها تستند الى الغبن التاريخي والحق الفسطيني مقابل الباطل الصهيوني. الخلاف على الرواية التاريخية هو ليس سوء تفاهم مع المشروع الصهيوني وليس موضع اقناع واقتناع وانما صراع وجودي معه.
الصراع على الرواية سيجد تعبيره في اواسط ايار 2008 حيث سيتزامن حدثان محوريان ومؤسسان لكل من الروايتين المتصارعتين. انه ستون عاما من النكبة ومقابلها “استقلال إسرائيل” وكلا الحدثين هما حدث واحد. نكبة الشعب الفلسطين هي استقلال إسرائيل والعالم سيحتفي بإسرائيل العالم الغربي كله سيحتفي بإسرائيل رسميا وإسرائيل ستحتفي بإسرائيل ونأمل الا يكون عرب او فلسطينين بهذا الاحتفال. ووفق روايتنا فان المشروع الصهيوني وتعبيره اسرائيل هي المجرم والجريمة التاريخية. والمجتمع الدولي الرسمي يتحمل مسؤولية الجريمة ولا يزال منذ ستين عاما فبعد ان كانت دول الاستعمار التاريخي الاوروبية هي مولّدة الصهيونية فانها تقوم منذ ستة عقود وعمليا منذ دخول المشروع الاستعماري الصهيوني للمنطقة بدور تبييض الجريمة على حساب الضحية وبذلك يتنصل من المسؤولية التاريخية. والانكى انها تتيح لاسرائيل التنصل من المسؤولية التاريخية حول جريمتها الكبرى المتواصلة والمتصاعدة طوال ستين عاما.

وفي هذا المفهوم فان التطبيع العربي الرسمي او الفلسطيني والتراجع عن المقاومة واستبدالها بما يسمى “مشروع المفاوضات” العبثي يأتي على حساب عدالة القضية الفلسطينية والرواية الفلسطينية وعلى حساب تحميل اسرائيل مسؤولية النكبة غير المنتهية.

“العربي الاسرائيلي”
إسرائيل لا تريد للفلسطينين الذين فرضت عليهم مواطنتها، لا تريدهم ان يصبحوا إسرائيليين وذلك من منطلقاتها هي ومن جوهرها الاستعماري العنصري. كما والاسرلة بالنسبة لها لا تعني ان يصبح الفلسطيني “اسرائيليا” وليس هذا المقصود بالاسرلة . من ذات المنطلق فان إسرائيل لا تريد للفلسطينينيين ان يكونوا فلسطينيين. بل ما تبغيه اسرائيل هو ان يكون الفلسطينيون مواطنيها متأسرلين “عرب اسرائيل”. بمعنى على هامش المجتمع الإسرائيلي على هامش المواطنة الإسرائيلة وعلى هامش الاقتصاد الإسرائيلي وخارج اتخاذ القرار الاسرائيلي، مرتبطين مصلحيا وولاء بإسرائيل ومنفصلين تماما عن شعبهم وحركة شعبهم.

وهنا يجدر التنويه الى كون السلوك الفلسطيني الرسمي احيانا يغذي هذا، وهناك ايضا مسؤولية فلسطينية وليس فقط إسرائيلية في الدفع باتجاه الاسرلة بسبب التعامل السياسي الوظيفي مع وجود فلسطيني 48 في وطنهم كقوة انتخابية اسرائيلية. وهذا التقسيم الفلسطيني الوظيفي لاجزاء الشعب الفلسطيني يلحق الضرر بالهوية الفلسطينية لكن اساسا بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، انه يجعلها تبدو قضايا واحيانا متناقضة. اي عندما نتعامل معها كقضايا مختلفة تبدأ الحدود داخل الشعب الفلسطيني بدل رسمها مع اسرائيل والصهيونية. والقضايا المختلفة ونتيجة تناقضات القضية الفلسطينة والواقع تصبح متضارية ومتناقضة وتحل معادلة وضع الاولويات ليس النضالية بل اولوية مركّب في القضية الفلسطينية على حساب مركّب اخر – مثلا اوسلو وضعت “بناء الدولة” في تناقض مع اولوية حق العودة للاجئين.
تكامل الاجهزة الاسرائيلية
هناك تقاسم ادوار تكاملي وبنيوي بين دولة إسرائيل كدولة كنظام وادواته القمعية والقانونية العسكرية والمدنية. والمدني ليس اقل عنصرية وكولونيالية من الجهاز الامني والعسكري بمفهوم النظام الإسرائيلي او الرؤية العامة الإسرائيلي. والاجهزة تتقاسم الادوار في ترجمة جوهر الدولة وفي تبييض الجريمة ومحو اثارها ومحاولة حتى اغتيال شخصية الضحية ومصادرتها لصالح إسرائيل كي تبدو ضحية ضحاياها.
في المقابل فان الدولة واجهزتها تتقاسم ادوار المشروع الصهيوني بنيويا مع المنظمات العالمية الصهيوينية. في السنوات الاخيرة نحن نلخظ انه في اعقاب كل حدث كبير يجري في 48 او على مستوى الشعب الفلسطيني هناك تدخل اكبر من قبل المنظمات الصهيونية العالمية الوكالة اليهودية من قبل المنظمية الصهيوينة العالمية ومن قبل منظمات صهيونية الاخرى في العالم من اجل الهيمنة وضمان الهيمنة وتحييد هذا الجزء من الشعب الفلسطيني عن باقي الاجزاء وعن القضية اصلا.
هذا ما حدث في اعقاب انتفاضة القدس والاقصى عام 2000 والتي اندلعت من جانبي “الخط الاخضر” والتي تبعها مباشرة ما يسمى “فوروم معاليه هحميشاه” على مستوى مجلس الامن القومي ووعود بميزانيات غير مسبوقة بغية اسكات فلسطينيي ال48، وهذا ما جرى في اعقاب دور فلسطينيي ال48 في مواجهة عدوان 2006 على لبنان، وتدخل الوكالة اليهودية لاول مرة في عرض خدماتها وميزانياتها لضمان الولاء لاسرائيل لدي فلسطينيي ال48.

تقاسم الادوار بين اسرائيل والمنظمات الصهيونية العالمية
هناك يجري محاولة جديدة اقيم مؤخرا في الولايات المتحدة بعد انتفاضة الاقصى بال 2000بعد ال وترسخت اكثر بعد حرب لبان الاخير ونظرية انه احنا في قارب واحد هيك يتعالم الإعلام الإسرائيلي انهنا احنا في قارب واحد ضد الإرهاب او ضد الفلسطيني او ضد الإرهاب الإسلامي باللغة الإسرائيلية اقيم ما يسمى انتر ايجنسي.. اللي هو تحالف من 72 مؤسسة منظمة صهيونية أمريكية وبريطانية وكندية وهدفه يعمل على ضمان إسرائيل كدولة يهودية ودولة اليهود هذا همة الاساسي أنها تكون دولة يهودية وليهود وتعطي حيز اكبر للمساواة الكمية واللي هذه المساواة لا تتناقض مع جوهر إسرائيل اليهودي هذا هو التعبير أصبحا لا نتحدث عن هوية أشخاص بل مؤسسات هناك من يخضع لها وهناك من يتراجع امام الضغط التمويلي وغير التمويلي والإسرائيلي والصهيوني والعالمي أيضا اللي يتشارك بالهم هذا ومنها مؤسسات مسئولة عن هذا الزج الاتحاد الأوروبي وطبعا السياسية الخارجية الأمريكية وكل مفهوم الدولة اليهودية اللي ظهر في السنوات الأخيرة كحملة وجزء من استراتيجيه شارون عمليا يحتم ان تكون موضوع الهوية القضية الأساسية عند الفلسطينيين والشعب الفلسطيني
الجانب الاخر ما يسمى مشروع الخدمة المدنية الذي يهدف أيضا الى اعادة انتاج الفلسطيني على شكل “عربي اسرائيلي” موال لقيم الدولة اليهودية ولقواعد لعبتها. وهو عمليا نوع من الهندسة السياسية لمفهوم العمالة والولاء. والذي يعفي اسرائيل من عنصريتها المؤسساتية والرسمية والشعبية ومن مسؤوليتها كنظام كولونيالي ويحيل المسؤولية الى سلوك الضحية من خلال فرض معادلة اشتراط الحقوق وفرض المعادلة بأن غياب الحقوق مصدره عدم قيام الفلسطيني بواجباته تجاه الدولة. والتي لن تحقق الحقوق خاصة الجماعية منها ان ان هامش الفلسطيني الضيق سيزداد ضيقا وسيفقد في حال اندمج في الخدمة المدنية اخلاقية الرواية الفلسطينية وعدالتها. اسرائيل تسعى الى خلق العربي او “العميل الجديد” وممكن نسميته العميل الفخور بمفهوم انه يتقمص قيم ومواصفات قامعيه ويخضع لقواعد لعبتهم ولتمويلهم البائس حتى وان لم يكن عميلا بالمعني التقليدي، كون الدول تكتفي بان يكون الفلسطيني مواليا لحدود اللعبة الصهيونية الخاصة بالعربي الفلسطيني. وزيرة التربية الاسرائيلية يولي تمير وهي من أقطاب “اليسار” الصهيوني صرحت ان مشروع الخدمة المدنية هذا هو مشروع حياتها وان حلمها ان ترى الشاب العربي او الصبية العربية يخدم خدمة مدنية كبديل عن خدمة عسكرية. كما ولو كانت إسرائيل مشغولة في كيف يخدم الشاب العربي او الفلسطيني بلده او قريته او مجتمعه. ولنا مثالين في هذا الصدد واحد هو ثقافة العطاء الفلسطينية العربية المتجذرة في تاريخنا وفي الحضارة العربية والاسلامية والتي تنفيها اسرائيل والتي من ناحية اخرى يجدر ان نعتدّ بها ونصونها. كما انه وعلى المستوى الشعبي المنظم كانت هناك في النصف الثاني من السبعينات واوائل الثمانينات من القرن الماضي مخيمات العمل التطوعي والكرامة في مدينة الناصرة والتي تحولت في حينه الى احد اكبر اطر الحشد الفلسطيني الشعبي من كافة انحاء الوطن الفلسطيني والتي شكلت تحديا لاسرائيل وعنصريتها وقمعها. هذه المخيمات كانت الدولة تحاربها وتقتحمها الشرطة باستمرار لتواجهها الناس.
انه شيء غاية في اللا-منطق ان تدعي اسرائيل انها مشغولة في كيف يقدم الشاب العربي الفلسطيني العطاء لمجتمعه وشعبه وتتعامل مع ذلك باعتباره مشروعا استراتيجيا وعمليا مركبا في الامن القومي. وماذا مع تقافة العطاء والدعم المادي والانساني التي يقدمها فلسطينيو ال48 الى شعبنا في غزة او الضفة هل هي “حلم” الاسرائيليين؟!.

ان معادلة اسرائيل من وراء الخدمة المدنية لربط الحقوق بما يسمونه واجبات، فيه امعان في التوجه الذي يحيل مسؤولية التمييز العنصري على سلوك الضحية وليس النظام العنصري، وفيه ايضا مسعى لفرض الولاء التام للمشروع الصهيوني. والمثال الصارخ هنا هو نجاح المشروع الصهيوني في فرض الخدمة العسكرية الاجبارية على الشباب العرب ابناء الطائفة الدرزية. وتامنا مع ذلك مسعى جهاز التعليم الاسرائيلي والاعلام الاسرائيلي الى فصل الدروز عن فلسطينيي ال48 من خلال اختلاق ثقافة متخيّلة اسموها “الثقافة الدرزية” ومنهاج التعليم الدرزي المفصول عن جهاز التعليم العربي الرسمي. ولو نظرنا الى ازمة الهوية فهي الاكثر عمقا هنا واما الحقوق وما يعكسها من اوضاع اقتصادية اجتماعية علمية وغيرها فهي الادني بين القرى والمدن الفلسطينية في الداخل.

التطور المشوّه للفلسطيني على مستوى هويته او كيانه هو مركّب في النهج الاسرائيلي الصهيوني. والمسؤول عن تنفيذه حتى في الاجهزة المدنية هو جهاز الامن العام – الشباك الذي لا يزال مهيمنا على جهاز التعليم العربي الحكومي.

الولاء لاسرائيل

صدرمؤخرا تقرير جديد اسمه “تقرير المجلس الصهيوني” وهذا المجلس هو جزء من الوكالة الصهيونية العالمية وعمليا جهازها التنفيذي. يتمحور التقرير بالأساس في معادلة الولاء اي ولاء الفلسطيني لدولة اسرائيل!! كيف نخلق يكون العربي ويكون مواليا لدولة إسرائيل الفلسطيني وفيه تأكيد صريح بأن الهدف من مشروع الخدمة المدنية هو الولاء للدولة اليهودية. اي كيف نخلق العربي الإسرائيلي. ويهدف التقرير ان “تكون إسرائيل دولة يهودية وصهيونية” وان العرب او “عرب إسرائيل” كما تسمينا “يجب ان نتعامل معهم كمجموعات وليس كمجموعة واحدة هناك مسلمين مسيحيين دروز وشركس وبدو وأقليات وغير ذلك” و”مهم ان نرى التمايز بين هذه المجموعات والتعامل معهم من خلال تجاوز مؤسساتهم وقياداتهم”.
انه نهج تاريخي للمشروع الصهيوني يشار اليه في كتاب اخر للخبير في قضايا المخابرات الاسرائيلية وعلاقتها بالفلسطينيين مواطني اسرائيل. كتب كوهين المقصود هو “العرب الصالحون” ويتمحور في اساليب الشاباك تجاههم في سنوات الخمسين، وهو يتحدث عن ذات العقلية- ذهنية الحكم العسكري – عن العربي المتطرف والعربي المعتدل، السلبي والايجابي. والمعيار للاعتدال او التطرف ليس بالطبع حقوق الإنسان، الدمقراطية او أية حقوق أخرى وإنما هو موقف الفلسطيني من الدولة اليهودية ومن المشروع الصهيوني وهل نطبّع معه ام لا نطبع معه وما مدى الولاء لقواعد اللعبة الصهيونية التي تجد تعبيرها في الدولة اليهودية. المركب الاخر لوثيقة المجلس الصهيوني المذكور هو اقتراح حكم ذاتي للفلسطيني في إسرائيل وهو مشروط قيميّا بأمرين جوهريين:
1. على فلسطيني ال48 او “عرب إسرائيل” كما يسموهم ان ينددوا بالإرهاب كموقف- كقيمة ويدينوه
2. خلق شريحة قيادية جديدة بديلة للقيادة الحالية “المتطرفة”، قيادة تقبل بدولة إسرائيل كيهودية وصهيونية والتعالم بهذا الشكل وأنها هي دولة الشعب اليهودي ومع هذا الطرح يقبلون علميا بإعطاء بادرة حسن نوايا من إسرائيل لفلسطيني الداخل وهي حكم ذاتي الذي يتحول بشروطه المفروضة مسبقا الى أداه للاسرلة او التهميش وليس حكما ذاتيا بمفهوم الحقوق او ما يحق لمجموعة قومية التي هي جزء من شعب انتهكت حقوقه ولا زالت ضمن احدى كبريات جرائم العصر.

“اقلية” ام شعب؟

وهنا جدير ان نشير الى ان اعتبار فلسطينيي ال48 “اقلية قومية” كحالة ثابتة ووضعية منتهية، فيه دفع للاسرلة وفك للارتباط الفلسطيني. فلسطينييو ال48 هم كما فلسطينيي الضفة والقطاع والشتات هم شعب واصحاب البلاد مجتمعين فقط، اي ليس فلسطينيو ال48 هم اصحاب الوطن واصحاب البلاد وحدهم بل اللاجيئ هو صاحب الوطن وسكان الضفة والقطاع هم اصحاب الوطن كله وفلسطينيي ال48 هم اصحاب الوطن كله. ولا توجد محاصصة في “ملكية” الوطن.

في المقابل يجب ان نشير ان من يتعامل فلسطينيا او عربيا مع فلسطيني 48 كتعامل وظيفي سياسيا او من يراهن على التغيير في الرأي العام الإسرائيلي ويريد من فلسطيني الي 48 ان يلعبوا دورهم في تغيير توازن القوى السياسي وترجيح الكفة السياسية لصالح تشكيلة الحكومة هذه ام تلك وهل يكون اولمرت في الحكم أم نتانياهو ام باراك، يزج بنا في صميم الأسرلة فلسطينيا ويعزل الفلسطيني عن الفلسطيني أكثر وأكثر. ومن يقوم بذلك عربيا كان ام فلسطينيا فهو لا يتقاسم معنا منظمة التحرير مع فلسطينيي ال48 مثلا ولا يتقاسم معنا المشروع الوطني الفلسطيني. بل “يحدد” لنا الدور الإسرائيلي أو يريد الدور الإسرائيلي أن بتعزز لدى فلسطيني 48. هذا هو رهان خطير فلسطينيا وعربيا وخاسر سياسيا بالمفهوم الواسع للقضية الفلسطينية، لان في اساسه عجز ومراهنة على ما قد يحدث داخل المجتمع الاسرائيلي وليس على مشروع تحرري فلسطيني عربي يلعب فلسطينيو ال48 دورهم فيه.
هناك اهمية في سياق الهوية ان نؤكد ان فلسطينيي ال48 ليسوع قوى تضامن مع شعبهم بل هم شعبهم كما كل فلسطيني ويحملون مشروع المقاومة باشكالها وتعبيراتها المختلفة نتاج الوضعيات العينية لكل مجموعة.
نماذج حول دور فلسطينيي ال48

سوف أعطي مثالا أو بعض الأمثلة فقط لما نقوم به أو يمكن القيام به في 48 . بالامكان في السنوات الاخيرة ملاحظة وضعية حالية تشير الى ان فلسطينيي ال48 هم اكثر مجموعة فلسطينية منظمة نسبيا كمجموعة ضمن الشعب الفلسطيني، وذلك على المستوى السياسي والمؤسساتي. وهذا الوضع ليس قيمة وليس “مباراة” ولكنه واقع في المرحلة الحالية بسبب التجزيئ القسري والتشتت وضعف المشروع الوطني التحرري. وهذا لا يعني ايضا ان الوضع داخل فلسطينيي ال48 مرض ومطمئن بما فيه الكفاية.

هناك أهمية ان نرى نقاط القوة ايضا. فالشعب الفلسطيني ومهما وصل من ضعف قادر دائما على المفاجأة سواء الفردية او الجماعية على شكل انتفاضات وهبّات ومقاومة. وفي هذه المفاجأة يجري تعطيل المشروع الصهيوني او افشال اهداف مخططاته ضمن ادارة الصراع الفلسطيني.

وفي السنوات الاخيرة خاصة خلال اخفاق العدوان الاسرائيلي على لبنان وفي غزة ودور المقاومة اللبنانية برزت اهمية ومحورية الجانب المعنوي في الصراع. الجانب المعنوي أصبح حالة مهمة في تعزيز الصمود الفلسطيني والعربي وفي هزم المشروع الاستعماري. هذا ما ادركته المقاومة وما ادركته الشعوب وما تدركه ايضا اسرائيل كون عدوانها اصبح يدار في جبهتها الداخلية بعد انهيار استراتيجيتها ادارة الحرب على ارض الطرف العربي او الفلسطيني. وسوف تستخدم اسرائيل في عدوانها القادم هذا المركّب. وترجمته العملية ستعني امكانية ان تقوم استباقا باجراءات لضرب معنويات الداخل. وتكميلا لذلك فان الجانب الإعلامي ايضا هو حلبة صراع وأيضا الحالة الشعبية أيضا مهمة جدا. وهو ما لمسناه نحن فلسطينيي ال48 خلال عدوان 2006 عندما سعت اسرائيل بكل اجهزتها وبالذات الاعلامية وصانعة الرأي العام وبكل قوة الى فرض الولاء على فلسطينيي ال48 واساءة استخدام وجودهم في وطنهم والتعامل معهم كدروع بشرية لمشروعها السياسي العسكري العدواني. حاولوا ان يفرضوا على فلسطينيي ال48 ان يتعاملوا مع انفسهم كما لو كانوا جزءا من المجتمع الإسرائيلي وكونهم في “قارب واحد مع المجتمع الاسرائيلي في مواجهة “العدو”اي شعبينا الفلسطيني واللبناني .

في التعايش بين الهوية الدينية والقومية
هناك ادعاء يسمع باستمرار وايضا في هذه الندوة وهو ان التيار القومي او العلماني والتيار الديني موجودان في معادلة “امّا أو” وان قوة التيار الواحد تأتي على حساب التيار الاخر. وبالذات هي تبريررية لدي التيارات اليسارية والقومية. وللحقيقة فان النموذج الذي تطور في فلسطين48 في التسعينات شهد تعزز دور التيارين معا وذات الوقت, والسعي المشترك الى بناء المرجعيات التي بامكانها ان تحتوي كل التعددية القائمة.
لكن اهمية هذا التعايش والتفاعل تقوق اهميتها مجرد التعددية وايجاد الصيغ، بل ان كون التياراين اصيلين في الهوية الوطنية الفلسطينية وفي الهوية العربية على مستوى المنطقة فان هناك أهمية قصوى في التفاعل بين البعد القومي والديني. وهذا التفاعل هو مصدر طاقة شعبية جبارة. التياران والهويتان ليستا ولا يجب أن يكونا في اتجاه صراع. ومثال اخر لقوة الدفع جراء هذا التفاعل هو انتفاضة القدس والاقصى العام 2000 عندما اجتمع البعدان القومي والديني وانطلقت طاقات كفاحية هائلة.
اشكالية الهوية ليست حصرا في فلسطينيي ال48
القضية الأخرى في موضوع الهوية هي ما هي رؤيتنا في الواقع الفلسطيني باعتقد انه الهوية ليست مسألة تخص مناطق 48 وحدها. اعتقد ان رام الله ايضا بالفهوم المجازي والعيني تعاني من اشكالية الهوية. وذلك ضمن تعريف المشروع الفلسطيني وواقع القضية الفلسطينية والتجزيء القسري المستدام لفلسطين كلها في المشروع الفلسطيني التحرري لا تقل عن مناطق 48. واللاجئين والشتات يعانون مشكلة الهوية ايضا وقد تكون الاصعب كونهم خارج الوطن. والهوية الفلسطينية تتأثر بمستوى النضال الفلسطيني والمرجعيات الفلسطينية وحركة التحرر الوطني الفلسطيني. ففي السبعينات حيث كانت حركة التحرر الوطني الفلسطيني تحصد حديثة العهد وتحصد الانجازات والاعتراف الدولي بالشعب الفلسطيني وحقوقه، كانت اشكاليات الهوية مختلفة عن مرحلة التراجع والتجزيء الوطني في التسعينات والمرحلة الراهنة. اليوم ايضا نحن امام الحاجة لاعادة تعريف القضية الفلسطينية كقضية واحدة عادلة والمجرم واحد وظالم وان نحدد بمفهوم انه هل نحن نبني دولة تطلعاتها رسمت في اوسلو ام نخوض نضال تحرر وطني لكل الشعب الفلسطيني ببعده العربي الاقليمي.
الهيمنة الخارجية الامريكية الصهيونية على قيادة السلطة الفلسطينية وعلى دول المنطقة العربية تشد باستمرار لتعزيز تجزيء الشعب الفلسطيني وقضيته. وعزله عن ذاته من جهة وعن الشعوب العربية من الجهة الاخرى.

العمل الاهلي الفلسطيني
بدأنا على مستوى اتحاد الجمعيات العربية (اتجاه) وبادرنا وليس صدفة ان تأتي المبادرة من 48 أيضا في بناء مرجعيات فلسطينية اهذا القطاع من المؤسسات. وقد عقدنا مؤتمرا في قبرص في شهر تشرين اول 2007شاركت فيه كبرى الاتحادات والشبكات والاثتلافات الفلسطينية على مستوى المجتمع المدني الفلسطيني في الوطن والشتات. وأتى ذلك في مسعى جماعي مؤسساتي منظم لتجاوز حالة الجزيئية في المجتمع الأهلي الفلسطيني وكمحفز لكل مؤسسات الشعب الفلسطيني. والمسعى يهدف الى بناء إطار جامع للعمل الأهلي الفلسطيني خارج حدود كل مجموعة فلسطينية على حدة، بل اطار نتعامل فيه مع انفسنا كشعب وعلى ادوارنا بشكل تطاملي ضمن رؤية مشتركة واهداف استراتيجية مشتركة. وبناء على تجربتنا فاننا وعندما نجلس كشعب ونتعامل مع انفسنا كشعب نتعامل مع هويتنا وحقوقنا بشكل مختلف جذريا عنه لو كنا نفكّر ونتعامل بشكل مجزّأ كمجموعات. وعندها ايضا لكنا ننظر الى اسرائيل بكل تجلياتها كواقع استعماري عنصري، بكل ما يعنيه ذلك حو مسألة المشروعية وشرعيتها.

بناء مرجعيات الشعب الفلسطيني أصبح قضية ملحّة جدا وشرطا وانقاذ المشروع التحرري ومنظمة التحرير الفلسطينية من غيابها وتغييبها والاستعاضة عنها فعليا بالسلطة الفلسطينية نتاج اتفاقية اوسلو التجزيئية. وهذا مشروع الشعب الفلسطيني وليس جزءا او اجزاء منه واستثناء اخرى. وفلسطينيو ال48 هم جزء من هذا المسار المستقبلي كما اللاجئين وسكان الضفة والقطاع.
بهذا المفهوم قضية الهوية الفلسطينية والفلسطينية في نهاية المطاف هي مركب في إعادة بناء الشعب الفلسطيني وبنيته التي يحاول المشروع الصهيوني القضاء عليها بهدف القضاء على حقوقه. الهوية هي عنوان للتحدي وعنوان مهم جدا خاصة لأجيالنا الصاعدة التي نراهن على ذاكرتها الجماعية وعلى هويتها الجماعية.

امير مخول – المدير العام لاتحاد الجمعيات العربية (اتجاه)، مركّز هيئة التنسيق للعمل الاهلي الفلسطيني في الوطن والشتات ورئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات في فلسطين48، وهو خبير في الشؤون الفلسطينية والاسرائيلية وقضايا المجتمع المدني. ameer@ittijah.org

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: